البدوى كما تخيّلته أوروبا في كتاب «الأسطورة البدوية»

لم تكن الصحراء يومًا كما رآها أهلها فقط، بل كما تخيّلها الآخرون وهم يعبرونها محمّلين بأسئلتهم وقلقهم وأحلامهم. هناك، على تخوم الرمل والدهشة، لم يُولد «البدوي» بوصفه إنسانًا من لحم ودم، بل بوصفه فكرة، صورة ذهنية نسجها الخيال الأوروبى بين خوفٍ قديم وإعجابٍ مستتر. هكذا تحوّل قاطع الطريق إلى حكيم فطرى، وتبدّل العداء إلى أسطورة نقاء، لا لأنها الحقيقة، بل لأنها كانت ما تحتاجه أوروبا لتفكّر فى ذاتها من بعيد.فى هذا الفضاء الملتبس بين الواقع والتمثيل، يأتى كتاب «الأسطورة البدوية.. فى كتابات رحالة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر» للمفكر الفرنسى سارجا موسى، وترجمة الدكتورة منى زهير الشايب، والصادر عن المركز القومى للترجمة برئاسة الأستاذة الدكتورة رشا صالح، ليكشف كيف لم تكن كتابات الرحّالة عن البدو مجرد وصفٍ لآخر بعيد، بل ممارسة ثقافية أعادت تشكيل علاقة أوروبا بالإسلام، وبالنبى محمد ﷺ، وبالشرق كله، فى لحظة تاريخية كانت القارة العجوز تعيد فيها تعريف العقل، والحرية، والإنسان.ويوضح الكتاب أن البدو الرحّل حظوا، شيئًا فشيئًا خلال القرن الثامن عشر، بنظرة مثالية سرعان ما تحوّلت — بعد كتابات جان جاك روسو — إلى ما يشبه «الأسطورة البدائية»، حيث غدا البدوى رمزًا للإنسان الطبيعى المتخيَّل، السابق على تعقيدات المجتمع الأوروبى الحديث. ويتتبع المؤلف جذور هذه الأسطورة كما ظهرت فى كتابات رحّالة القرن التاسع عشر، الذين لعبوا دورًا حاسمًا فى ترسيخها ونشرها، من خلال روايات متباينة نجدها لدى أسماء معروفة مثل لامارتين، إلى جانب مؤلفين أقل شهرة مثل المؤرخ جوزيف بوجولات.كما يتناول الكتاب انتقادات مفكرين بارزين مثل فولتير وشاتوبريان، التى على الرغم من دعمها النسبى للنظرة المثالية للبدو، لم تمنع تشكّل خطابٍ معادٍ تأكّد مع مطلع القرن التاسع عشر، وبلغ ذروته فى كتاب «رحلة إلى الشرق» لـ غوستاف فلوبير، بوصفه المحصلة النهائية لمسار طويل من التمثيل والاختزال الثقافى.ويؤكد سارجا موسى أن «الأسطورة البدوية» لا تقوم على فكرة هيمنة (الآخر) بقدر ما تعبّر عن ميل عدد من الرحّالة إلى نوع من التجرّد من الذات الأوروبية نفسها، واستخدام صورة البدوى مرآةً للعودة بالنقد على أوروبا، فى سياق عصر التنوير والرومانسية، حيث تحوّل الشرق إلى مساحة للتفكير فى الذات بقدر ما كان موضوعًا للمعرفة والاكتشاف.يأتى الكتاب ضمن إصدارات المركز القومى للترجمة، تأكيدًا لدور المركز فى تقديم نصوص فكرية كاشفة، لا تعيد إنتاج الصور الجاهزة عن الشرق والغرب، بل تفككها، وتعيد وضعها فى سياقها التاريخى والثقافى، فاتحةً بابًا أوسع لفهم علاقة أوروبا بالآخر، وبذاتها فى آنٍ واحد

2026-01-14T13:22:13Z