شكّل معبد قصر الزيان في واحة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد نقطة محورية في طرق التجارة القديمة، حيث يقع على بعد نحو 26 كيلومترًا جنوب مدينة الخارجة، بالقرب من ملتقى طريقي "درب الأربعين" و"نقب بولاق"، ما جعله مركزًا استراتيجيًا لتلاقي القوافل والتبادل التجاري في جنوب مصر.
كما أن هذا الموقع منح المعبد أهمية كبيرة خلال العصرين البطلمي والروماني، خاصة مع إحاطته بأراضٍ زراعية خصبة، ساهمت في ازدهار النشاط الاقتصادي والديني في المنطقة.
أوضح محمد إبراهيم، مدير الآثار المصرية بالخارجة، أن تسمية "قصر الزيان" تعود إلى ما بعد الفتح الإسلامي، حيث جرى إطلاق لفظ "قصر" على المباني الحجرية الضخمة، بينما نُسب اسم "الزيان" إلى عين ماء قديمة بجوار المعبد.
وأضاف أن المنطقة عُرفت في العصر الروماني باسم "تشونيميريس"، أي "التي في الجنوب"، في إشارة إلى موقعها الجغرافي بالنسبة لمعبد الغويطة وعاصمة الواحات القديمة.
أكد إبراهيم، أن المعبد يرجع في تأسيسه إلى العصر البطلمي، بينما شهد أعمال ترميم واسعة خلال العصر الروماني، حيث وثّق الإمبراطور أنطونيوس بيوس عمليات الصيانة بنقش يوناني مؤرخ في 18 أغسطس عام 141 ميلاديًا.
وأشار إلى أن هذا التوثيق يعكس اهتمام الدولة الرومانية بالمراكز الدينية، وسعيها لتعزيز شرعيتها عبر دعم المعابد المحلية.
قال طارق القلعي، مدير متحف آثار الوادي الجديد، إن المعبد يتميز بتصميم معماري بسيط يمتد من الجنوب إلى الشمال، ويتكون من صالة تنتهي إلى قدس الأقداس، حيث كانت توجد نيشة تضم تمثال الإله "آمون هبت".
وأضاف أن الجدران تحتوي على نقوش تُظهر الإمبراطور الروماني في هيئة فرعونية، يقدم القرابين للآلهة، في محاولة واضحة لدمج السلطة الرومانية داخل المنظومة الدينية المصرية.
وأوضح القلعي، أن هذه النقوش تعكس "تمصير" الإمبراطور، عبر تصويره كحاكم يستمد قوته من الإله، وهو أسلوب شائع لترسيخ شرعية الحكم.
أفاد محمد إبراهيم بأن حفائر جرت في ثمانينيات القرن الماضي أسفرت عن اكتشاف بئر مياه داخل سور المعبد، بالإضافة إلى أوانٍ فخارية وعملات قديمة، ما يشير إلى نشاط اقتصادي متكامل.
كما كشفت بعثة يابانية عن بقايا مدينة سكنية مجاورة تعود للعصر الروماني، ما يؤكد أن الموقع لم يكن دينيًا فقط، بل مركزًا إداريًا وتجاريًا أيضًا.
قال خالد حسن شتوي، وكيل مكتب وزارة السياحة بالوادي الجديد السابق، إن المعبد يعاني من الإهمال مثل العديد من المواقع الأثرية في الواحات، حيث تعرضت جدرانه للانهيار، واندثرت أجزاء كبيرة تحت الرمال.
وأضاف أن الموقع كان مقصدًا سياحيًا مهمًا، لكنه تراجع بسبب غياب أعمال الصيانة، محذرًا من فقدان جزء مهم من التراث المصري إذا استمر الوضع الحالي.
أكد شتوي، أن معبد قصر الزيان يمتلك قيمة فريدة تجمع بين الأهمية التجارية والدينية والهيدرولوجية، خاصة مع وجود نظام متكامل لإدارة المياه داخل الموقع.
وشدد على ضرورة إطلاق خطة عاجلة تشمل ترميم المعبد، وحماية المنطقة من زحف الرمال، وإدماجه ضمن المسارات السياحية، إلى جانب معبد الغويطة، لإحياء دوره التاريخي.
2026-04-23T16:22:22Z